بعد أكثر من عام على دخول اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة حيز التنفيذ، لا تزال المنطقة تشهد ضربات عسكرية وسقوط ضحايا فلسطينيين، في وقت تواجه فيه الجهود الدبلوماسية صعوبات متزايدة في الانتقال من وقف العمليات العسكرية الواسعة إلى تسوية أكثر استقراراً.
وأفادت وكالة رويترز بأن ضربات إسرائيلية أوقعت أربعة قتلى فلسطينيين على الأقل، الاثنين 2 نونبر 2026، وفق مصادر طبية في غزة. وجاءت هذه التطورات بعد يوم شهد مقتل ثمانية فلسطينيين آخرين، بحسب تقارير طبية وتصريحات نقلتها الوكالة.
وتعيد هذه الوقائع طرح سؤال جوهري حول طبيعة الاتفاق الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر 2025: هل نجح في توفير حماية مستدامة للسكان، أم أنه تحول إلى إطار هش تتواصل في ظله العمليات العسكرية والخلافات السياسية؟
ضربات جديدة رغم استمرار الاتفاق
شهد قطاع غزة، الاثنين، سلسلة من الضربات الإسرائيلية في مناطق مختلفة. ووفق المعلومات التي نقلتها رويترز عن مصادر طبية، سقط ضحايا في خان يونس جنوب القطاع، وفي منطقة المصدر وسطه، إضافة إلى ضربة استهدفت مركبة في حي تل الهوى بمدينة غزة.
وقال الجيش الإسرائيلي إنه استهدف مسلحين فلسطينيين، دون تقديم تفاصيل كافية تتيح التحقق بصورة مستقلة من جميع الظروف المرتبطة بالضربات.
وتتهم إسرائيل حركة حماس بمحاولة إعادة بناء قدراتها العسكرية وخرق التفاهمات القائمة. في المقابل، تنفي الحركة هذه الاتهامات وتحمّل إسرائيل مسؤولية استمرار الهجمات وتقويض الاتفاق.
ويتعين الفصل هنا بين وقوع الضربات، الذي تؤكده تقارير ميدانية متعددة، وبين الروايات المتعارضة بشأن أهدافها ومبرراتها. فتحديد المسؤولية القانونية عن كل واقعة يتطلب معلومات مستقلة بشأن الظروف العسكرية وحماية المدنيين ومدى الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني.
اتفاق لم يتحول إلى استقرار دائم
كان اتفاق وقف إطلاق النار، الذي جرى التوصل إليه بوساطة أمريكية، يفترض أن يفتح المجال أمام خفض التصعيد وتحسين وصول المساعدات والشروع في إعادة الإعمار.
لكن مرور عام على الاتفاق لم يؤد إلى حسم القضايا السياسية والأمنية الأساسية. فلا تزال المفاوضات تواجه خلافات بشأن نزع سلاح حماس، ومستقبل الترتيبات الأمنية، وانسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي تسيطر عليها داخل القطاع.
وتشير التقارير المتاحة إلى استمرار انتشار القوات الإسرائيلية في مساحات واسعة من غزة، بينما يعيش معظم السكان في مناطق تعرضت لأضرار كبيرة خلال الحرب.
وتكشف هذه الوضعية عن فجوة بين وقف العمليات العسكرية الشاملة وبين بناء شروط السلام المستدام. فالاتفاق قد يحد من مستوى المواجهات دون أن ينهي أسبابها أو يوفر ترتيبات واضحة لحماية المدنيين وإدارة المرحلة الانتقالية.
الأمم المتحدة تحذر من هشاشة الوضع
في إحاطة قدمها إلى مجلس الأمن يوم 15 أكتوبر 2026، حذر المنسق الخاص للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط من استمرار هشاشة وقف إطلاق النار.
ونقل المسؤول الأممي معطيات وزارة الصحة في غزة بشأن سقوط نحو 1500 قتيل فلسطيني منذ بدء الاتفاق، مؤكداً أن العمليات العسكرية لم تتوقف بصورة كاملة.
كما أشار إلى استمرار معاناة الأسر النازحة، ونقص المساكن الملائمة، والأضرار الواسعة التي لحقت بشبكات المياه والصرف الصحي والخدمات الأساسية.
ولا تمثل هذه المعطيات مجرد توصيف للظروف الإنسانية. فهي تطرح أسئلة حول مدى فعالية الآليات التي يفترض أن تراقب تنفيذ الاتفاق، وتحدد المسؤوليات عند وقوع خروقات، وتضمن وصول المساعدات إلى السكان.
وفي غياب آليات فعالة وشفافة للمساءلة، يصبح من الصعب الانتقال من التهدئة المؤقتة إلى وضع أكثر استقراراً.
إعادة الإعمار بين الحاجة الإنسانية والخلاف السياسي
تواجه إعادة إعمار غزة تحديات تتجاوز توفير التمويل الدولي. فالدمار الواسع يتطلب إزالة الأنقاض وإصلاح البنيات الأساسية واستعادة الخدمات الصحية والتعليمية، إلى جانب توفير مساكن آمنة للأسر المتضررة.
غير أن تنفيذ هذه العمليات يرتبط أيضاً بالوضع الأمني، وإمكانية إدخال مواد البناء والمعدات، وحرية حركة العاملين في المجال الإنساني، ووضوح الجهة المسؤولة عن إدارة المشروعات.
وقد حذرت الأمم المتحدة من أن القيود المفروضة على دخول المعدات والمواد الضرورية تعيق جهود التعافي، رغم استمرار عمل المنظمات الإنسانية.
وتبرز هنا ضرورة التمييز بين التعهدات الدولية بإعادة الإعمار والمشروعات التي دخلت فعلياً مرحلة التنفيذ. فالإعلان عن خطط أو تمويلات لا يكفي لإثبات تحسن ظروف السكان، ما لم تقترن بنتائج يمكن قياسها على الأرض.
الشتاء يضاعف المخاطر الإنسانية
يتزامن استمرار الأزمة مع اقتراب فصل الشتاء، في وقت يعيش فيه عدد كبير من الفلسطينيين داخل خيام ومبانٍ متضررة ومراكز إيواء مكتظة.
وفي إحاطتها إلى مجلس الأمن، حذرت الأمم المتحدة من تعرض نحو 950 ألف شخص لمخاطر متوسطة أو مرتفعة مرتبطة بالفيضانات. كما أشارت إلى وجود آلاف المباني التي لجأت إليها أسر نازحة رغم مخاطر انهيارها.
وتجعل هذه الظروف توفير المأوى الآمن والمياه والصرف الصحي والرعاية الطبية أولوية عاجلة، بصرف النظر عن تعثر المفاوضات السياسية.
كما تطرح الأزمة سؤالاً حول مسؤولية الأطراف المعنية والجهات الدولية في ضمان وصول الإمدادات الضرورية، وعدم ربط الاحتياجات الإنسانية الأساسية بنتائج المساومات السياسية.
ما الذي يعطل الانتقال إلى المرحلة التالية؟
تكشف التطورات الحالية أن الخلافات بشأن مستقبل غزة لا تزال تتمحور حول ثلاثة ملفات مترابطة: الترتيبات الأمنية، والانسحاب الإسرائيلي، والإدارة السياسية والمدنية للقطاع.
فإسرائيل تربط جانباً من ترتيباتها الأمنية بمسألة نزع سلاح حماس ومنع إعادة بناء قدراتها العسكرية. في المقابل، ترفض الحركة بعض الشروط المطروحة، وتتهم إسرائيل بعدم الالتزام بالانسحاب ووقف العمليات.
أما الوسطاء، فيواجهون صعوبة التوفيق بين هذه المواقف، مع الحفاظ على استمرار الاتفاق وتجنب عودة المواجهات الواسعة.
ولا يمكن اختزال التعثر في موقف طرف واحد دون تحليل النصوص المتفق عليها وآليات تنفيذها. لكن استمرار الخلاف لا يعفي الأطراف من التزاماتها المتعلقة بحماية المدنيين واحترام القانون الدولي الإنساني.
وقف إطلاق النار ليس بديلاً عن التسوية السياسية
بعد عام من الاتفاق، يظهر أن وقف إطلاق النار ساهم في تغيير طبيعة المواجهة العسكرية، لكنه لم يوفر حتى الآن أساساً كافياً لإنهاء الأزمة.
فاستمرار سقوط الضحايا، وتعثر إعادة الإعمار، وتدهور ظروف المعيشة، كلها مؤشرات تستدعي تقييماً موضوعياً لمدى تنفيذ الالتزامات المعلنة.
ويحتاج هذا التقييم إلى معطيات واضحة بشأن الضربات العسكرية، وعدد الضحايا، وحركة المساعدات، والمناطق التي انسحبت منها القوات الإسرائيلية، والمشروعات الإنسانية التي أنجزت فعلياً.
كما أن مستقبل القطاع لا يمكن فصله عن القضية الفلسطينية الأوسع، بما فيها حق الفلسطينيين في تقرير المصير وإقامة دولتهم، وهي قضايا تؤكد الأمم المتحدة ضرورة معالجتها ضمن تسوية سياسية قابلة للاستمرار.
وفي المحصلة، لا يكفي استمرار الاتفاق على الورق للحكم بنجاحه. فالمعيار الأساسي يتمثل في مدى توقف الهجمات، وتوفير الحماية للسكان، وتحسين ظروفهم المعيشية، وفتح طريق سياسي واضح يمنع تجدد الحرب.
وبينما تستمر المفاوضات، يبقى المدنيون في غزة الطرف الأكثر تأثراً بالفجوة بين الالتزامات الدبلوماسية والواقع الميداني.
