f x ig yt
الجمعة، 23 أكتوبر 2026
جديد الإختيار

مالية 2027 والقدرة الشرائية.. هل تنخفض كلفة المعيشة؟

بين إصلاح الأسواق وزيادة الدعم الاجتماعي، تواجه حكومة المنصوري اختباراً يتجاوز أرقام الميزانية إلى أسعار الغذاء والسكن والنقل والخدمات التي تثقل ميزانيات الأسر المغربية.

اقتصاد المغرب 📅 22 أكتوبر 2026 ⏱ 8 دقائق
أسعار المواد الأساسية ونفقات المعيشة تضع القدرة الشرائية للأسر المغربية في صلب النقاش حول مشروع مالية 2027.

تضع حكومة فاطمة الزهراء المنصوري استعادة القدرة الشرائية في مقدمة أولويات مشروع قانون المالية لسنة 2027، في محاولة للاستجابة لأحد أكثر المطالب الاجتماعية إلحاحاً خلال السنوات الأخيرة. غير أن الانتقال من إعلان الأولوية إلى تحقيق نتائج ملموسة يظل رهيناً بقدرة الإجراءات المقترحة على التأثير في الأسعار والدخل والخدمات الأساسية، وليس فقط بحجم الاعتمادات المرصودة أو عدد المستفيدين من برامج الدعم.

فالمواطن الذي يواجه ارتفاع نفقات الغذاء والسكن والنقل لا يقيس نجاح السياسة الاقتصادية بمعدل النمو وحده، ولا يعتبر تراجع التضخم دليلاً كافياً على تحسن وضعه المعيشي. ما يهمه أساساً هو مقدار ما يتبقى من دخله بعد أداء المصاريف الضرورية، ومدى قدرته على مواجهة النفقات غير المتوقعة دون اللجوء إلى الاستدانة أو التخلي عن احتياجات أساسية.

ويأتي مشروع مالية 2027 في سياق سياسي خاص، بعدما انتقلت مسؤولية قيادة الحكومة إلى المنصوري، وأصبح المشروع أول وثيقة مالية كبرى تختبر مدى قدرة الأغلبية الجديدة على ترجمة التزاماتها الاجتماعية إلى إجراءات قابلة للتنفيذ. ولذلك فإن النقاش لا ينبغي أن ينحصر في مقارنة الأرقام المعلنة بما خصصته الحكومات السابقة، بل يتعين أن يمتد إلى طبيعة التدخل العمومي والنتائج التي يُنتظر أن يحققها.

انخفاض التضخم لا يعني عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة

تشير المعطيات المقدمة ضمن التوجهات العامة لمشروع قانون المالية إلى توقع نمو الاقتصاد المغربي بنسبة 4.7 في المائة عند نهاية سنة 2026، مع احتواء التضخم في حدود 0.7 في المائة وتقليص عجز الميزانية إلى 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام.

وتوحي هذه المؤشرات باستقرار نسبي على المستوى الاقتصادي العام، لكنها لا تقدم بمفردها صورة مكتملة عن أوضاع الأسر. فالتضخم يقيس وتيرة تغير الأسعار خلال فترة محددة، ولا يقيس مقدار ما تراكم من ارتفاعات خلال السنوات السابقة. وإذا تباطأت وتيرة زيادة الأسعار، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن المواد الغذائية أو الخدمات أصبحت أرخص مما كانت عليه.

ويفسر هذا التمييز جانباً من التباعد بين المؤشرات الاقتصادية الرسمية والشعور السائد لدى فئات من المواطنين باستمرار الضغط على ميزانياتهم. فقد يستقر سعر منتج عند مستوى مرتفع، بينما يظل دخل الأسرة عاجزاً عن مواكبة الزيادة التي حدثت في السنوات الماضية.

ولهذا فإن استعادة القدرة الشرائية تتطلب النظر إلى تطور الأجور والمعاشات والدخل المتاح، إلى جانب أسعار السلع والخدمات. كما تستدعي دراسة الفوارق بين الفئات الاجتماعية والمناطق، لأن أثر الأسعار لا يتوزع بالتساوي بين الأسر ذات الدخل المرتفع والأسر التي تخصص الجزء الأكبر من مواردها للاستهلاك الأساسي.

إصلاح الأسواق والأسعار.. اختبار يتجاوز مراقبة التجار

تتضمن التوجهات العامة لمشروع قانون المالية الشروع، ابتداءً من سنة 2027، في إصلاح هيكلي للأسواق والأسعار. ويعكس هذا الاختيار إدراكاً لأهمية معالجة الاختلالات التي قد ترفع كلفة وصول السلع إلى المستهلك، غير أن فعاليته ستعتمد على طبيعة التدابير التي ستُتخذ والقطاعات التي ستشملها.

فأسعار المنتجات الغذائية، على سبيل المثال، لا تتحدد عند نقطة البيع وحدها، وإنما تتأثر بتكاليف الإنتاج والنقل والتخزين والتوزيع، فضلاً عن الظروف المناخية وتوافر العرض وتقلبات الأسواق الخارجية. كما أن تعدد الوسطاء قد يرفع السعر النهائي عندما تغيب الشفافية أو تضعف المنافسة.

ومن ثم، فإن الإصلاح الجاد يحتاج إلى تحسين تنظيم أسواق الجملة، وتعزيز شفافية المعاملات، وتطوير شبكات التخزين والنقل، وتفعيل آليات المنافسة ومراقبة الممارسات المخالفة للقانون. كما ينبغي أن يراعي أوضاع المنتجين الصغار، حتى لا يؤدي الضغط على الأسعار النهائية إلى تحميل الفلاحين أو التجار الصغار وحدهم كلفة الاختلالات.

ولا يمكن اختزال هذه السياسة في حملات مراقبة ظرفية أو إجراءات زجرية معزولة. فالمطلوب هو معالجة الأسباب التي تسمح بارتفاع هوامش التوزيع بصورة غير مبررة، وتحسين قدرة السوق على توفير المنتجات بأسعار معقولة وجودة مضمونة.

وسيكون من الضروري أن توضح الحكومة كيف ستقيس نتائج هذا الإصلاح، وما إذا كانت ستنشر معطيات دورية حول تطور الأسعار وهوامش التوزيع في الأسواق الرئيسية.

الدعم الاجتماعي.. الزيادة المالية لا تكفي وحدها

يراهن مشروع مالية 2027 على مواصلة تعزيز الدعم الاجتماعي المباشر، في إطار التوجه المعلن نحو توطيد أسس الدولة الاجتماعية. ويأتي ذلك بالتوازي مع تعهدات حكومية برفع قيمة بعض المساعدات خلال الولاية المقبلة.

ومن حيث المبدأ، يمكن للدعم النقدي أن يساعد الأسر محدودة الدخل على مواجهة جزء من نفقاتها الأساسية، خصوصاً عندما يكون منتظماً وموجهاً إلى الفئات الأكثر احتياجاً. لكن أثره يتوقف على قيمة المساعدة وشروط الاستفادة ومدى مواكبتها لتغير تكاليف المعيشة.

فإذا ارتفعت نفقات الأسرة على الغذاء والسكن والطاقة بوتيرة تفوق الزيادة التي تحصل عليها، فإن التحسن الاسمي في مبلغ الدعم قد لا يتحول إلى تحسن مماثل في قدرتها الشرائية. كما أن فعالية البرنامج تتأثر بدقة استهداف المستفيدين، وسهولة معالجة الشكايات، وقدرة الأسر المستحقة على الولوج إليه.

وتطرح هذه الاعتبارات سؤالاً يتعلق بالمعايير التي ستعتمدها الحكومة لتقييم نجاح الدعم الاجتماعي. فعدد المستفيدين وحجم المبالغ المصروفة مؤشران مهمان، لكنهما لا يكفيان لمعرفة ما إذا كانت المساعدات قد ساهمت في الحد من الهشاشة وتحسين شروط العيش.

كما ينبغي أن يرتبط الدعم بسياسات أوسع في التشغيل والصحة والتعليم والسكن، لأن التحويلات المالية لا تستطيع بمفردها معالجة ضعف الدخل أو ارتفاع كلفة الخدمات الأساسية.

السكن والنقل والطاقة.. نفقات تستنزف الدخل

لا تقتصر القدرة الشرائية على أسعار المواد الغذائية، رغم حضورها القوي في النقاش العام. فالسكن والنقل والطاقة تشكل بدورها نفقات ثابتة أو شبه ثابتة يصعب على الأسر تقليصها دون التأثير في مستوى عيشها.

ويواصل مشروع قانون المالية إعطاء أهمية لبرنامج الدعم المباشر للسكن، وهو توجه قد يساهم في تحسين فرص التملك بالنسبة إلى بعض الأسر المستوفية لشروط الاستفادة. غير أن دعم الطلب على السكن يحتاج إلى مواكبة من جانب العرض العقاري وضبط جودة البناء وشفافية الأسعار، حتى لا تتحول المساعدة العمومية إلى عنصر إضافي في ارتفاع أثمان بعض العقارات.

أما النقل، فيؤثر بصورة مباشرة في الدخل المتاح، خصوصاً بالنسبة إلى العاملين الذين يقطعون مسافات طويلة بين مناطق السكن والعمل. ولذلك فإن تحسين النقل العمومي وانتظامه وتكلفته لا يقل أهمية عن الزيادات النقدية الموجهة إلى الأسر.

وفي مجال الطاقة، يتطلب تخفيف الأعباء دراسة أثر فواتير الكهرباء والمحروقات على مختلف الفئات، مع مراعاة الاستدامة المالية والبيئية للتدخلات العمومية. فكل تخفيض في التكلفة لا بد أن يكون واضح المصدر والتمويل، حتى لا ينتج عنه نقل العبء إلى الأسر بصورة غير مباشرة من خلال رسوم أو ضرائب أخرى.

ومن هنا، فإن سياسة متكاملة للقدرة الشرائية ينبغي أن تتجاوز المساعدات النقدية إلى تحسين الخدمات العمومية وتقليص النفقات التي يتحملها المواطن للحصول على احتياجاته الأساسية.

25 مليار درهم للتنمية الترابية.. هل تصل النتائج إلى المدن والقرى؟

يتضمن مشروع قانون المالية تخصيص 25 مليار درهم لتسريع تنزيل الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، في إطار التوجه نحو تقليص الفوارق بين المجالات وتحسين الولوج إلى الخدمات والفرص الاقتصادية.

وتكتسب هذه الاعتمادات أهمية خاصة لأن القدرة الشرائية لا تتحدد بالدخل النقدي وحده، بل تتأثر أيضاً بالمكان الذي تعيش فيه الأسرة. فغياب مستشفى قريب أو ضعف النقل العمومي أو صعوبة الوصول إلى المدرسة قد يفرض نفقات إضافية على سكان المناطق القروية والمدن الصغيرة.

لكن نجاح الاستثمار الترابي لا يقاس بمجرد تخصيص الميزانيات أو الإعلان عن المشاريع. فالنتيجة الفعلية ترتبط باختيار الأولويات المحلية، وجودة الإنجاز، وصيانة التجهيزات، ومدى قدرة السكان على الاستفادة منها.

ولهذا فإن توزيع الاعتمادات ينبغي أن يستند إلى معايير واضحة تراعي الخصاص الاجتماعي والمجالي، مع نشر مؤشرات تسمح بتتبع المشاريع وتقييم أثرها. كما أن إشراك الجماعات الترابية والفاعلين المحليين يمكن أن يساعد على تجنب استثمارات لا تستجيب بصورة كافية للحاجات الفعلية للسكان.

التشغيل والأجور.. الحلقة التي لا يعوضها الدعم

يضع مشروع قانون المالية إدماج الشباب ضمن أولوياته، من خلال برنامج وطني مندمج للفترة الممتدة بين 2027 و2031، يربط التكوين والمواكبة المهنية بتسهيل الولوج إلى التمويل والأسواق.

ويستجيب هذا التوجه لحاجة أساسية، لأن تحسن القدرة الشرائية على المدى الطويل يرتبط بوجود دخل منتظم وفرص عمل منتجة، وليس فقط بالمساعدات الاجتماعية. غير أن الانتقال من برامج التكوين إلى التشغيل الفعلي يظل تحدياً، خصوصاً عندما لا تتوافق المؤهلات مع حاجات سوق العمل أو تتفاوت فرص الاستثمار بين الجهات.

كما أن إحداث مناصب شغل جديدة لا يكفي إذا كانت الأجور ضعيفة أو ظروف العمل غير مستقرة. فالجودة الاقتصادية والاجتماعية للوظيفة لا تقل أهمية عن عدد المناصب المعلن عنها، وينبغي أن تدخل ضمن المؤشرات المعتمدة لتقييم البرامج الحكومية.

وتحتاج الحكومة، في هذا الإطار، إلى توضيح كيفية ربط المبادرات الموجهة للشباب بالاستثمار المنتج والمقاولات الصغيرة والمتوسطة، ومدى قدرتها على إحداث فرص عمل مستقرة خارج المراكز الاقتصادية الكبرى.

بين الانضباط المالي والعدالة الاجتماعية

يواجه مشروع مالية 2027 معادلة دقيقة تتمثل في توسيع التدخل الاجتماعي وتحسين الخدمات العمومية، مع المحافظة على التوازنات المالية للدولة. ولا يمثل هذا التوازن تناقضاً بالضرورة، لكنه يفرض خيارات واضحة بشأن تعبئة الموارد وترتيب النفقات وتقييم مردودية الاستثمار العمومي.

فتمويل السياسات الاجتماعية بصورة مستدامة يحتاج إلى اقتصاد قادر على خلق الثروة وفرص العمل، وإلى نظام جبائي يوزع الأعباء بعدالة، وإدارة عمومية تحد من الهدر وترفع فعالية الإنفاق.

وفي المقابل، فإن التشدد المالي الذي يؤدي إلى إضعاف الخدمات الأساسية قد ينقل جزءاً من الكلفة إلى الأسر، حتى عندما تتحسن بعض المؤشرات العامة للميزانية. ولهذا ينبغي ألا ينحصر النقاش في نسبة العجز، بل أن يشمل أيضاً جودة النفقات العمومية وتوزيع أثرها الاجتماعي.

كما يتعين على البرلمان، خلال مناقشة المشروع، أن يطلب توضيحات دقيقة بشأن الموارد المخصصة للإجراءات المعلنة، وآجال تنفيذها، والفئات المستفيدة منها، حتى تكون الميزانية أداة للمساءلة وليست مجرد وثيقة للمصادقة على التوجهات العامة.

ميزانية الدولة في مواجهة ميزانية الأسرة

يمثل مشروع قانون المالية لسنة 2027 فرصة للحكومة الجديدة لإظهار مدى قدرتها على تحويل خطاب استعادة القدرة الشرائية إلى سياسة اقتصادية واجتماعية متماسكة. لكن الحكم على نجاحها لن يتحدد بحجم الاعتمادات المعلنة أو بتراجع معدل التضخم وحدهما، وإنما بما سيطرأ من تغير على مستوى معيشة الأسر.

فالمعيار الأساسي هو ما إذا كانت الأسرة ستتمكن من تغطية نفقاتها الضرورية بقدر أقل من الضغط المالي، وما إذا كانت فرص العمل والخدمات العمومية ستتحسن، وما إذا كانت الفوارق الاجتماعية والمجالية ستتراجع بصورة ملموسة.

ولا يمكن مطالبة الحكومة بنتائج فورية في جميع المجالات، كما لا يجوز إعفاؤها من تحديد أهداف قابلة للقياس وآجال واضحة لتنفيذها. فالإصلاحات الهيكلية تحتاج إلى وقت، لكن بعض التدخلات المرتبطة بالأسعار والخدمات والحماية الاجتماعية تستدعي استجابة أقرب إلى الحاجات اليومية للمواطنين.

وبين الأرقام التي تعرضها الحكومة والواقع الذي تعيشه الأسر، ستظهر القيمة الحقيقية لمالية 2027. فالمغاربة لا ينتظرون ميزانية أكبر على الورق فحسب، بل ينتظرون أن تصبح الحياة اليومية أقل كلفة، وأن يتحول النمو الاقتصادي إلى تحسن محسوس في الدخل والعمل وجودة الخدمات.

وهذا هو الامتحان الذي لا تستطيع أي حكومة تجاوزه بالوعود وحدها.

شارك المقال فيسبوك إكس تيليغرام

اقرأ أيضاً

اترك تعليقاً