f x ig yt
الأحد، 8 نوفمبر 2026
جديد الإختيار

احتجاجات تيفلت.. سنوات الرصاص والمحاسبة ورموز المقاومة

وقفة حقوقية وسياسية تحتج على تصريحات محمود عرشان ومصطفى بومهدي، وتعيد فتح النقاش حول حدود العدالة الانتقالية وتنفيذ توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، وسط جدل بشأن الذاكرة الوطنية وحرية الاحتجاج.

حريات 📅 8 نوفمبر 2026 ⏱ 7 دقائق
رسم كاريكاتيري يعالج الجدل حول سنوات الرصاص ومطالب الحقيقة والمحاسبة وإنصاف الضحايا، في سياق احتجاجات تيفلت.

لم تكن الوقفة الاحتجاجية التي شهدتها مدينة تيفلت، الأحد 8 نوفمبر 2026، مجرد رد فعل على تصريحات سياسية أثارت الجدل. فقد أعادت إلى الواجهة أسئلة قديمة حول الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان خلال سنوات الرصاص، وحدود المصالحة مع الماضي، ومدى قدرة المؤسسات على حماية الذاكرة الوطنية من التوظيف السياسي.

وشارك في الوقفة حقوقيون وفاعلون سياسيون وعائلات ضحايا، استجابة لدعوة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان. ورفع المشاركون شعارات تطالب بكشف الحقيقة وترتيب المسؤوليات وإنهاء الإفلات من العقاب. كما نددوا بما اعتبروه محاولات لتبرئة شخصيات ارتبطت أسماؤها باتهامات تتعلق بانتهاكات الماضي.

وتحولت تيفلت إلى نقطة تجمع لمشاركين قدموا من مدن مغربية مختلفة. وحضرت في الوقفة صور ضحايا الانتهاكات وشخصيات من المقاومة الوطنية، إلى جانب لافتات تدعو إلى حماية الحقوق والحريات.

من تصريحات برلمانية إلى احتجاج وطني

تعود الخلفية المباشرة للاحتجاج إلى مداخلة أدلى بها محمود عرشان، الرئيس المؤسس لحزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية وعميد الشرطة السابق، خلال مناقشة البرنامج الحكومي بمجلس المستشارين. فقد استخدم وصف «الطابور الخامس» في سياق انتقاده خصومه، وهو ما أثار ردود فعل داخل أوساط حقوقية وسياسية.

واعتبرت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان أن هذه التصريحات تستدعي إعادة طرح ملف المسؤوليات عن انتهاكات سنوات الرصاص. كما استحضرت شهادات معتقلين سياسيين سابقين تضمنت اتهامات لعرشان بشأن مرحلة عمله في الجهاز الأمني.

وتلاحق هذه الاتهامات عرشان منذ عقود. وقد تناولتها شهادات حقوقية وتغطيات صحفية ومواجهات علنية مع معارضين سابقين. غير أن عرشان سبق أن نفى ممارسته التعذيب. ولذلك يبقى من الضروري الفصل بين الاتهامات التاريخية والمسؤولية الجنائية التي يحددها القضاء.

ولم يبدأ الجدل سنة 2026. فقد شهدت تيفلت احتجاجات على ترشيح عرشان خلال الانتخابات التشريعية لسنة 2002. كما أثار تكريمه بميدالية في فرنسا سنة 2018 اعتراضات أعادت التذكير بماضيه الأمني.

ويكشف استمرار هذا السجال أن الخلاف حول بعض شخصيات المرحلة السابقة لم يُحسم اجتماعياً، رغم مرور سنوات على تجربة العدالة الانتقالية.

الإساءة إلى بنسعيد آيت إيدر توسع دائرة الاحتجاج

جانب من الوقفة الاحتجاجية بمدينة تيفلت، للمطالبة بكشف الحقيقة بشأن انتهاكات سنوات الرصاص وإنصاف الضحايا.تصوير: هشام مسلك ليام / هسبريس.

اتسعت أسباب الاحتجاج بعد تصريحات منسوبة إلى مصطفى بومهدي، نائب رئيس جماعة تيفلت والمنتمي إلى حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية. فقد اتهم المقاوم الراحل محمد بنسعيد آيت إيدر بالخيانة والعمالة للمستعمر، وفق ما نقلته تغطيات صحفية عن مداخلته داخل المجلس الجماعي.

وأثارت هذه التصريحات اعتراضات داخل أوساط سياسية وحقوقية، رأت فيها مساساً بمكانة شخصية بارزة في تاريخ المقاومة المغربية والعمل السياسي بعد الاستقلال.

ويعد بنسعيد آيت إيدر من الشخصيات التي جمعت بين المقاومة الوطنية والنشاط السياسي المعارض. كما ارتبط اسمه بالدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، وحظي بتكريم رسمي تقديراً لمساره.

وخلال الوقفة، أكد جمال العسري، الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد، رفضه ما اعتبره محاولات لتشويه تاريخ المقاومة. كما استحضر التكريم الرسمي الذي حظي به الراحل، معتبراً أن الخلافات السياسية لا تبرر إطلاق اتهامات تاريخية دون أدلة.

وتطرح القضية إشكالاً يتجاوز الدفاع عن شخصية بعينها. فالتاريخ الوطني يظل مجالاً مشروعاً للبحث والمراجعة النقدية. لكن اتهامات الخيانة والعمالة تحتاج إلى وثائق قابلة للفحص، لا إلى أحكام تصدر في سياق خصومة سياسية.

بيان حزب عرشان يثير مخاوف بشأن حرية الاحتجاج

سبق الوقفة تصعيد في الخطاب السياسي المحلي. فقد أصدرت الكتابة المحلية لحزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية بتيفلت بياناً هاجمت فيه الجهات الداعية إلى الاحتجاج، واستخدمت أوصافاً من بينها «العملاء والخونة».

كما دعا البيان إلى تعبئة مضادة في المدينة، وتضمن عبارات اعتبرتها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان تهديداً للمشاركين في الوقفة.

ورد المكتب المركزي للجمعية بمراسلة إلى والي جهة الرباط سلا القنيطرة. وطالب السلطات بضمان سلامة المحتجين وحماية حقهم في التظاهر السلمي، مع فتح تحقيق في مضمون البيان وترتيب المسؤوليات القانونية عند الاقتضاء.

وتكتسب هذه الواقعة أهمية خاصة لأنها تنقل الخلاف من مناقشة التاريخ إلى مسألة ممارسة الحقوق الدستورية. فحرية التعبير تتيح للأحزاب والهيئات الدفاع عن مواقفها، لكنها لا تعفي أي طرف من احترام القانون وحقوق الآخرين.

كما أن الدعوة إلى احتجاج مضاد تظل ممارسة مشروعة ما دامت سلمية. غير أن استعمال عبارات الوعيد والتخوين يثير تساؤلات بشأن حدود الخطاب السياسي ومسؤولية التنظيمات الحزبية عن بياناتها.

ولم يتوفر، ضمن المصادر التي جرت مراجعتها، رد مباشر جديد من قيادة الحزب على اعتراضات الجمعية ومراسلتها إلى السلطات.

تيفلت وإدريس بنزكري.. رمزية تتجاوز المكان

تكتسب الوقفة دلالة إضافية بسبب ارتباط مدينة تيفلت باسم إدريس بنزكري، أحد أبرز وجوه الحركة الحقوقية المغربية والرئيس السابق لهيئة الإنصاف والمصالحة.

فقد عاش بنزكري تجربة الاعتقال السياسي، قبل أن يساهم لاحقاً في قيادة مسار مؤسساتي لمعالجة انتهاكات الماضي. وأصبح اسمه مرتبطاً بمحاولة الانتقال من الاعتراف بالانتهاكات إلى جبر الضرر وإصلاح المؤسسات.

واستحضر عز العرب حليمي، المستشار الجماعي عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، هذه الرمزية خلال الوقفة. واعتبر أن استعادة ذاكرة الضحايا في مدينة ارتبطت ببنزكري تحمل رسالة تتعلق بضرورة حماية مكتسبات العدالة الانتقالية.

غير أن تجربة الهيئة نفسها ظلت موضوع تقييمات مختلفة. فقد ساهمت في توثيق انتهاكات والاستماع إلى الضحايا وتقديم توصيات مؤسساتية. وفي المقابل، واصلت جمعيات حقوقية المطالبة بكشف ما تعتبره حقائق ناقصة، وترتيب المسؤوليات الفردية عن الانتهاكات الجسيمة.

وهكذا لم يعد السؤال مقتصراً على ما أنجزته الهيئة، بل امتد إلى ما تحقق فعلياً من توصياتها، وما بقي موضع خلاف بين المؤسسات والحركة الحقوقية.

هل انتهت العدالة الانتقالية أم بقيت ملفات مفتوحة؟

شكلت هيئة الإنصاف والمصالحة محطة مهمة في التاريخ الحقوقي المغربي. فقد تناولت ملفات الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي والانتهاكات الجسيمة، وقدمت توصيات بشأن جبر الضرر والإصلاحات القانونية والمؤسساتية.

لكن الجمعية المغربية لحقوق الإنسان ترى أن المسار لم يستكمل جميع أهدافه. وتطالب بمزيد من الكشف عن الحقيقة، وضمان المحاسبة، وتنفيذ التوصيات التي تعتبرها معلقة.

وخلال وقفة تيفلت، دعت سعاد البراهمة، رئيسة الجمعية، إلى آلية ذات مصداقية لمتابعة تنفيذ توصيات الهيئة. كما طرحت فكرة تنظيم مناظرة وطنية ثانية لتقييم مسار العدالة الانتقالية وتحديد الملفات التي تحتاج إلى معالجة.

وتطرح هذه المطالب أسئلة تستحق نقاشاً مؤسساتياً واضحاً. ما التوصيات التي نفذتها الدولة بصورة كاملة؟ وما التدابير التي ما زالت قيد التنفيذ؟ وهل توجد ملفات لم تتضح فيها الحقيقة بصورة كافية؟

ولا يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة من خلال الشعارات وحدها. فهي تحتاج إلى حصيلة رسمية مفصلة، وإلى تقييم حقوقي مستقل يستند إلى الوثائق والمعطيات القابلة للتحقق.

الاحتجاج يتجاوز الماضي إلى أوضاع الحقوق والحريات

 

«احتجاجات تيفلت تندد بـ«تبييض صفحة الجلادين» والإساءة إلى رموز المقاومة».تصوير: هشام مسلك ليام / هسبريس.

لم يقتصر المشاركون على المطالبة بمساءلة المسؤولين عن انتهاكات سنوات الرصاص. فقد رفعت خلال الوقفة شعارات تتعلق بالحريات العامة والاعتقال السياسي والحق في التنظيم والتعبير.

كما طالب بعض المشاركين بالإفراج عن معتقلين يعتبرونهم سجناء رأي أو معتقلين سياسيين، واستحضروا ملفات مرتبطة باحتجاجات اجتماعية وحركات مطلبية مختلفة.

وأكدت خديجة الرياضي، في تصريحات صحفية، أن الوقفة تعبر أيضاً عن رفض ما تعتبره الجمعية استمراراً لبعض الممارسات المقيدة للحقوق والحريات. ووجهت انتقادات إلى السياسات العمومية في مجالات الحريات والعدالة الاجتماعية.

وتبقى هذه المواقف جزءاً من التقييم الحقوقي الذي تتبناه الجمعية. أما التحقق من الانتهاكات المعاصرة المحددة، فيتطلب فحص كل حالة على حدة، والرجوع إلى المعطيات القضائية والرسمية وشهادات الأطراف المعنية.

ويكشف اتساع الشعارات عن محاولة ربط ذاكرة الماضي بقضايا الحاضر. فبالنسبة إلى المشاركين، لا ينفصل مطلب عدم تكرار الانتهاكات عن ضمان الحقوق والحريات اليوم.

بين حق الاختلاف وواجب حماية الذاكرة

تكشف أحداث تيفلت عن ثلاثة مستويات متداخلة من الخلاف. يتعلق الأول باتهامات تاريخية موجهة إلى شخصيات تولت مسؤوليات أمنية. ويرتبط الثاني بحدود النقد السياسي حين يمس رموز المقاومة الوطنية. أما الثالث فيتصل بضمان الحق في الاحتجاج السلمي، مهما بلغت حدة الخلافات.

وتختلف المسؤوليات في كل مستوى. فالاتهامات الجنائية تحتاج إلى أدلة وتحقيقات وإجراءات قضائية. أما الخلافات التاريخية فتحتاج إلى وثائق وشهادات قابلة للمناقشة. وفي المقابل، تظل حماية الحق في التعبير والتجمع السلمي مسؤولية قانونية لا تتوقف على هوية المحتجين أو مواقفهم.

ولا تعني المصالحة مع الماضي إلغاء حق الضحايا في المطالبة بالحقيقة. كما لا تعني المساءلة تجاوز ضمانات العدالة أو اعتبار الاتهامات أحكاماً نهائية.

وفي المحصلة، أعادت احتجاجات تيفلت إلى النقاش العمومي ملفاً لم يفقد حضوره في الذاكرة المغربية. فبعد أكثر من عقدين على إطلاق تجربة العدالة الانتقالية، لا تزال أسئلة الحقيقة والمحاسبة وجبر الضرر مطروحة.

ويبقى الاختبار الأساسي هو قدرة المؤسسات والفاعلين الحقوقيين والسياسيين على تحويل هذا الخلاف إلى نقاش موثق حول ما تحقق وما بقي معلقاً. فحماية الذاكرة الوطنية لا تتحقق بتبادل الاتهامات، بل بإتاحة الحقيقة، وضمان الحقوق، وتطبيق القانون على الجميع.

شارك المقال فيسبوك إكس تيليغرام

اقرأ أيضاً

اترك تعليقاً