أعلنت مؤسسة البحر الأحمر السينمائي، يوم الاثنين 21 شتنبر، تأجيل الدورة السادسة من مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي. وكان من المقرر تنظيم الدورة في مدينة جدة السعودية مطلع دجنبر 2026. لكنها نُقلت إلى الربع الأخير من سنة 2027.
وجاء القرار بعد أسابيع من الغموض حول مصير دورة هذه السنة. والمثير أن الاستعدادات كانت قد قطعت شوطاً مهماً، إذ أُغلق باب تقديم الأفلام وطلبات الاعتماد قبل إعلان التأجيل.
بيان رسمي.. وأسباب غير معلنة
أوضحت المؤسسة في بيانها أن القرار جاء بعد مراجعة شاملة لاعتبارات مرتبطة بالتوقيت، بينها المتطلبات اللوجستية لاستضافة حدث دولي بهذا الحجم. وأكدت أن الدورة المقبلة ستعود برؤية متجددة.
لكن البيان لم يقدم تفاصيل إضافية حول طبيعة هذه الاعتبارات. في المقابل، ربطت وسائل إعلام دولية القرار بتصاعد التوترات في المنطقة، في ظل الحرب المستمرة مع إيران منذ أواخر فبراير.
ومن المفهوم أن تتحفظ المؤسسات على الخوض في الاعتبارات الأمنية. غير أن الجمهور وصناع الأفلام، الذين استثمروا وقتهم وجهدهم في التحضير للمشاركة، كانوا يستحقون قدراً أكبر من الوضوح.
مهرجان صنع مكانته بسرعة
في خمس دورات فقط، نجح مهرجان البحر الأحمر في فرض نفسه على الخريطة السينمائية الدولية. فقد استقطب نجوماً عالميين، ولجان تحكيم ترأسها مخرجون كبار، مثل سبايك لي وشون بيكر.
كما تحول “سوق البحر الأحمر”، الذراع المخصصة لصناعة السينما، إلى موعد مهم لشركات كبرى، مثل نتفليكس وأمازون وديزني. والأهم أن المهرجان دعم عبر صندوقه مشاريع سينمائية عربية وإفريقية وآسيوية، كانت ستجد صعوبة في إيجاد تمويل.
لذلك فإن غياب دورة 2026 لا يعني فقط غياب حدث احتفالي، بل يعني أيضاً غياب منصة عرض وتمويل يعتمد عليها كثير من المخرجين العرب.
الثقافة.. الضحية الصامتة للحروب
يكشف هذا التأجيل حقيقة مؤلمة: الثقافة غالباً ما تكون أول من يدفع ثمن الأزمات، وآخر من يتم الحديث عنه. فحين تتصدر الأخبار الأرقام العسكرية وأسعار النفط، تغيب الخسائر الثقافية عن النقاش.
وقد بنت دول الخليج خلال السنوات الأخيرة استراتيجيات طموحة لجعل الثقافة والسينما جزءاً من قوتها الناعمة وتنويع اقتصاداتها. لكن التأجيل يُظهر أن هذه الاستراتيجيات تبقى هشة ما دام الاستقرار الإقليمي غائباً.
محاولة لتقليص الخسارة
حاولت المؤسسة التخفيف من أثر القرار. فقد أعلنت إطلاق برنامج دائم في “ميدان الثقافة” بجدة التاريخية ابتداءً من نونبر 2026. وسيتضمن عروض أفلام وفعاليات ثقافية وبرامج متخصصة في صناعة السينما.
وهي خطوة إيجابية تحافظ على الحضور الثقافي للمؤسسة. لكنها لا تعوض الإشعاع الدولي الذي يمنحه مهرجان بهذا الحجم.
مراكش أمام فرصة ومسؤولية
يضع غياب مهرجان البحر الأحمر المهرجان الدولي للفيلم بمراكش في موقع خاص هذه السنة. فهو من أعرق المهرجانات السينمائية في المنطقة، ويُنظم عادة في نفس الفترة من السنة.
وقد يجد عدد من صناع الأفلام العرب والأفارقة في مراكش وجهة بديلة لعرض أعمالهم. وهذه فرصة لتعزيز مكانة المغرب كمنصة ثقافية إقليمية. لكنها أيضاً مسؤولية، لأن نجاح هذا الدور يتطلب انفتاحاً أكبر على السينما العربية والإفريقية، ودعماً حقيقياً للإنتاج المستقل.
السينما تنتظر السلام
يشهد عام 2027 عودة مهرجانين بارزين في المنطقة: البحر الأحمر بعد تأجيل دورة 2026، ودبي بعد غياب دام عشر سنوات. وهذا يعكس رغبة في إحياء المشهد السينمائي الإقليمي.
لكن هذه العودة تبقى رهينة بعامل واحد لا يملكه صناع السينما: الاستقرار. فالسينما، مثل كل أشكال الإبداع، تحتاج إلى السلام لتزدهر.
