اختُتمت مساء السبت 10 أكتوبر 2026 فعاليات الدورة الحادية والثلاثين لمهرجان تطوان لسينما البحر الأبيض المتوسط، بعد ثمانية أيام من العروض السينمائية والندوات واللقاءات المهنية، بتتويج الفيلم التونسي «اغتراب» للمخرج مهدي الهميلي بالجائزة الكبرى «تمودا» وجائزة النقد «مصطفى المسناوي»، فيما سجلت السينما المغربية حضوراً لافتاً من خلال جائزتي أفضل أداء رجالي ونسائي اللتين نالهما عمر لطفي وصفاء ختامي عن مشاركتهما في فيلم «ميرا» للمخرج نور الدين لخماري.
ولم تكن نتائج هذه الدورة مجرد ترتيب للأفلام المشاركة، إذ عكست اختيارات لجان التحكيم اهتماماً بأعمال تتناول علاقات العمل والاغتراب والذاكرة والنزوح والتجارب الإنسانية التي تتقاطع على ضفتي البحر الأبيض المتوسط. وقد ضمت المسابقة الرسمية عشرة أفلام، إلى جانب عروض موازية ولقاءات فكرية وورشات مهنية، في محاولة للجمع بين التنافس الفني وتطوير فرص التعاون السينمائي داخل المنطقة.
ومع أن تتويج فيلم أو ممثل لا يكفي وحده للحكم على الوضع العام للصناعة السينمائية في بلده، فإن حصيلة تطوان توفر مناسبة لفحص طبيعة الأعمال التي تحظى بالاعتراف النقدي، ومدى قدرة السينما المغربية على تطوير إنتاجها وتوزيعه والوصول إلى جمهور يتجاوز المهرجانات.
«اغتراب».. فيلم عن العمل والهشاشة يتصدر النتائج
حصد فيلم «اغتراب» للمخرج التونسي مهدي الهميلي جائزتين بارزتين، هما الجائزة الكبرى لمدينة تطوان «تمودا» وجائزة النقد «مصطفى المسناوي»، في تتويج مزدوج من لجنة المسابقة والنقاد.
والفيلم، الذي أُنجز سنة 2025 في إطار إنتاج مشترك بين تونس ولوكسمبورغ وفرنسا وقطر والمملكة العربية السعودية، يتناول حياة العمال داخل مصنع للصلب، من خلال شخصية عامل يجد نفسه أمام تداعيات حادث مهني وما يكشفه من اختلالات في علاقات العمل.
وتكتسب هذه المعالجة أهمية في سياق سينمائي تتكرر فيه موضوعات الهجرة والهوية والمنفى، لأنها تعيد الاهتمام إلى التفاوت الاجتماعي وعلاقة الفرد بالمؤسسة الاقتصادية، وما يمكن أن تتركه ظروف العمل من آثار على حياة الأشخاص.
ولا يمكن الجزم بالأسباب الفنية التفصيلية التي دفعت لجان التحكيم إلى اختيار الفيلم من دون الرجوع إلى تعليلاتها الكاملة، لكن حصوله على جائزتين مختلفتين يشير إلى تقاطع التقديرين التحكيمي والنقدي حول العمل.
كما يبرز الإنتاج المشترك بوصفه إحدى آليات تمويل السينما المتوسطية، إذ يسمح بتجميع موارد وخبرات من بلدان متعددة، وإن كان يطرح في المقابل أسئلة تتعلق باستقلال الخيارات الفنية وشروط توزيع الأفلام وحقوق صناعها.
«ميرا».. حضور مغربي عبر الأداء التمثيلي
جاء التتويج المغربي الأبرز من خلال فيلم «ميرا» للمخرج نور الدين لخماري، الذي منح عمر لطفي جائزة أفضل أداء رجالي، وصفاء ختامي جائزة أفضل أداء نسائي.
ويمثل هذا الاعتراف فرصة لتسليط الضوء على دور الأداء التمثيلي في بناء التجربة السينمائية، بعيداً عن اختزال الفيلم في اسم المخرج أو حجم الإنتاج.
فالممثل لا يقتصر دوره على تجسيد الحوار المكتوب، بل يشارك من خلال الحركة والصوت والإيقاع في نقل العلاقات النفسية والاجتماعية التي يقوم عليها العمل. غير أن الحكم النقدي المفصل على أداء الممثلين يتطلب مشاهدة الفيلم وتحليل اختياراتهما الفنية، ولذلك لا يصح تحويل نتيجة المسابقة وحدها إلى مراجعة فنية شاملة.
ويؤكد تتويج الممثلين المغربيين قدرة المواهب المحلية على المنافسة في مهرجان يجمع إنتاجات من بلدان متوسطية مختلفة، لكنه لا يجيب عن سؤال أوسع يتعلق باستمرارية فرص العمل والتكوين، ومدى توفر مشاريع سينمائية متنوعة تتيح لهذه المواهب تطوير تجاربها.
كما أن نجاح فيلم في المهرجانات لا يعني بالضرورة وصوله إلى جمهور واسع داخل القاعات المغربية، وهي فجوة تستحق المتابعة عند تقييم أثر الجوائز على الصناعة السينمائية الوطنية.
بقية الجوائز.. تنوع في التجارب واللغات
إلى جانب الفيلم التونسي «اغتراب» والمغربي «ميرا»، منحت لجنة التحكيم جائزة محمد الركاب الخاصة للفيلم الفرنسي «رفاق تشي الناجون» للمخرج كريستوف ديميتري ريفاي، فيما عادت جائزة عز الدين مدور للعمل الأول إلى الفيلم الإيطالي «يا قلبي» للمخرجة مارغاريتا سبامبيناتو.
كما حظي الفيلم الوثائقي «من بقي حياً» للمخرج نيكولا واديموف بتنويه خاص، ونال الفيلم الإسباني «مدنسة» للمخرجين باربارا ميستانزا ومارك بوجولار تنويهاً خاصاً من لجنة التحكيم وتنويهاً من لجنة النقد.
وتعكس هذه النتائج تعدد الأنواع السينمائية التي احتضنها المهرجان، من الروائي إلى الوثائقي، ومن الأعمال التي تتناول التاريخ السياسي إلى الأفلام التي تركز على التجارب الشخصية والاجتماعية.
غير أن التنوع الجغرافي والموضوعاتي لا يمثل في حد ذاته ضمانة للتجديد الفني، لأن قيمة المهرجان تتحدد أيضاً بنوعية النقاش الذي يتيحه حول اللغة السينمائية وطرق السرد وأساليب الإنتاج والتلقي.
فلسطين حاضرة عبر الذاكرة والشهادة
كان من أبرز الأعمال التي أثارت الاهتمام الفيلم الوثائقي «من بقي حياً» للمخرج نيكولا واديموف، الذي حصل على تنويه خاص من لجنة التحكيم.
ويتناول الفيلم شهادات تسعة فلسطينيين غادروا قطاع غزة، مستعيناً بالذاكرة الشخصية والرسم لإعادة بناء الأماكن والتجارب التي عاشوها.
وتتميز هذه المقاربة، وفق المعطيات المنشورة عن العمل، بالاعتماد على الشهادة الفردية بدلاً من الاقتصار على الصور الإخبارية المباشرة، وهو اختيار يطرح سؤالاً مهماً حول قدرة السينما الوثائقية على تقديم فهم إنساني للأحداث يتجاوز الإيقاع السريع للتغطية اليومية.
كما يثير الفيلم نقاشاً بشأن المسؤولية الأخلاقية في تمثيل معاناة الأشخاص، وحدود العلاقة بين الشهادة والتأويل الفني، وكيفية الحفاظ على كرامة المشاركين وحقوقهم أثناء تحويل تجاربهم إلى مادة سينمائية.
ولا ينبغي التعامل مع التنويه باعتباره حكماً نهائياً على جميع جوانب الفيلم، لكنه يبرز حضور القضية الفلسطينية ضمن اهتمامات مهرجان متوسطي يتعامل مع السينما باعتبارها مساحة للتعبير عن قضايا سياسية واجتماعية وإنسانية.
المهرجان خارج القاعات.. محاولة لتوسيع الجمهور
لم تقتصر برمجة دورة 2026 على العروض التنافسية داخل القاعات، إذ تضمنت أفلاماً في الهواء الطلق بساحة الفدان، وبرنامجاً موجهاً للأطفال في سينما إسبانيول، إلى جانب عروض وأنشطة بالسجن المدني بتطوان.
وشملت العروض المفتوحة أعمالاً من الذاكرة السينمائية المغربية، من بينها «السراب» لأحمد البوعناني و«باب السماء مفتوح» لفريدة بليزيد و«نامبر وان» لزكية الطاهري.
وتكتسب هذه المبادرات أهمية خاصة في بلد تواجه فيه علاقة الجمهور بقاعات السينما تحديات تتعلق بالتوزيع والتجهيز والأسعار وتفاوت انتشار الفضاءات الثقافية.
فإتاحة العروض خارج القاعات التقليدية قد تساعد على الوصول إلى فئات لا تتابع المهرجانات عادة، لكنها تحتاج إلى تقييم يقيس حجم المشاركة واستمراريتها، ومدى تحول المشاهدة المناسبة إلى اهتمام دائم بالسينما.
كما أن تخصيص برامج للأطفال يمكن أن يساهم في تنمية الثقافة البصرية لدى الأجيال الجديدة، شريطة أن يكون جزءاً من عمل تربوي وثقافي متواصل، لا مجرد نشاط محدود بزمن المهرجان.
ورشات السيناريو.. هل تتحول اللقاءات إلى إنتاجات؟
خصصت الدورة الحادية والثلاثون حيزاً لتطوير المشاريع السينمائية من خلال «ورشات تطوان»، التي بلغت نسختها الرابعة، وتهدف إلى مواكبة مشاريع الأفلام خلال مرحلة كتابة السيناريو.
ويكتسب هذا الجانب أهمية لأن صعوبات الإنتاج السينمائي لا تبدأ عند التصوير، بل قد تظهر في المراحل الأولى من تطوير الفكرة والكتابة والبحث عن الشركاء والتمويل.
وتوفر الورشات المهنية فرصاً للتواصل بين الكتاب والمخرجين والمنتجين، كما تتيح للمشاريع الناشئة الاستفادة من نقاشات نقدية وتقنية تساعد على تطويرها.
لكن الأثر الحقيقي لهذه المبادرات لا يمكن قياسه بعدد الورشات أو الضيوف المشاركين وحده، بل يحتاج إلى تتبع المشاريع التي استفادت منها، ومعرفة ما إذا تمكنت لاحقاً من الحصول على تمويل أو الانتقال إلى الإنتاج والتوزيع.
ومن دون هذا التتبع، قد تبقى بعض برامج المواكبة ذات قيمة تكوينية محدودة، بينما يفترض أن تكون جزءاً من منظومة أوسع لدعم الإبداع السينمائي.
تطوان وماطيرا.. التعاون الثقافي بين مدينتين
تزامنت الدورة مع احتفاء تطوان ومدينة ماطيرا الإيطالية بلقب العاصمتين المتوسطيّتين للثقافة والحوار لسنة 2026، وهو ما أتاح توسيع التعاون بين المؤسسات والمهنيين في البلدين.
وتضمنت البرمجة لقاءات حول الإنتاج المشترك والتوزيع وتطوير المشاريع، إلى جانب عروض سينمائية مرتبطة بمهرجان ماطيرا.
وتبدو أهمية هذا التعاون في إمكان تحويل العلاقة الثقافية بين المدينتين إلى فرص مهنية مستمرة، خصوصاً بالنسبة إلى المنتجين الشباب والمشاريع التي تحتاج إلى شركاء خارج السوق المحلية.
غير أن الاتفاقات واللقاءات لا تضمن وحدها تحقيق نتائج اقتصادية وثقافية ملموسة، لأن نجاح التعاون يتطلب تحديد مشاريع قابلة للإنجاز وآليات للتمويل والتوزيع وتقييم النتائج.
كما أن الاستفادة المحلية من التظاهرات الدولية تستدعي الاهتمام بالمهنيين والمؤسسات الثقافية داخل المدينة، حتى لا يظل أثرها محصوراً في فترة انعقاد المهرجان.
السينما المغربية بين الاعتراف الفني وسؤال الجمهور
تكشف نتائج مهرجان تطوان أن السينما المغربية ما زالت قادرة على تسجيل حضور في المنافسات المتوسطية، كما يظهر تتويج عمر لطفي وصفاء ختامي، لكنها تفتح في الوقت نفسه نقاشاً حول العلاقة بين الاعتراف المهرجاني والوضع العام للقطاع.
فالجوائز تمنح الأعمال والمشاركين فيها فرصة للظهور، وقد تساعد على تحسين فرص التوزيع أو استقطاب الاهتمام، لكنها لا تكفي وحدها لمعالجة المشكلات المرتبطة بتمويل الإنتاج وانتظام العمل وتكوين المهنيين ووصول الأفلام إلى الجمهور.
ويصبح من الضروري، عند تقييم حصيلة المهرجانات، النظر إلى ما يحدث بعد انتهاء العروض، من حيث توزيع الأفلام المتوجة، وتوفرها داخل القاعات والمنصات القانونية، واستمرار التعاون بين صناع السينما.
كما أن المهرجان الذي يسعى إلى ترسيخ مكانته الثقافية يحتاج إلى تطوير علاقته بسكان المدينة، حتى لا تتحول السينما إلى نشاط موسمي ينتهي بانتهاء الحفل الختامي.
بعد إسدال الستار.. ماذا يبقى من الدورة؟
اختتم مهرجان تطوان لسينما البحر الأبيض المتوسط دورته الحادية والثلاثين بحصيلة جمعت بين تتويج الفيلم التونسي «اغتراب» وحضور مغربي في جوائز التمثيل، إلى جانب اهتمام بأعمال تتناول الذاكرة والعمل والنزوح والقضايا الإنسانية.
كما أتاح المهرجان برامج موازية للتكوين والنقاش والعروض المفتوحة، وهي عناصر تمنحه دوراً يتجاوز المنافسة على الجوائز.
لكن قياس نجاح الدورة يتطلب الانتقال من الإعلان عن الفائزين إلى متابعة أثر التظاهرة على المشاريع السينمائية والجمهور والحياة الثقافية في تطوان، لأن الاستمرارية لا تصنعها الجوائز وحدها.
ويبقى التحدي الأساسي أمام المهرجانات السينمائية المغربية هو تحويل ما تنتجه من لقاءات واعترافات فنية إلى فرص ملموسة للإبداع والتكوين والتوزيع، بحيث لا تنتهي العلاقة بين الفيلم والجمهور عند إسدال الستار، بل تبدأ منه مرحلة جديدة من المشاهدة والنقاش والتداول الثقافي.
