f x ig yt
الخميس، 15 أكتوبر 2026
جديد الإختيار

معرض الكتاب بطنجة.. حين تصبح القراءة اختباراً للسياسة الثقافية

تفتح الدورة الرابعة عشرة للمعرض الجهوي للكتاب بطنجة، الممتدة من 10 إلى 16 أكتوبر، نقاشاً يتجاوز عرض الإصدارات وتنظيم اللقاءات الأدبية إلى مدى قدرة المبادرات الثقافية على توسيع جمهور الكتاب ودعم الناشرين والمكتبات.

ثقافة وفنون 📅 12 أكتوبر 2026 ⏱ 7 دقائق
المكتبة الوسائطية الكبرى بمدينة طنجة، في صورة أرشيفية تعكس حضور فضاءات القراءة ضمن المشهد الثقافي للمدينة. تصوير: Ideophagous / Wikimedia Commons، ترخيص CC BY-SA 4.0. https://commons.wikimedia.org/wiki/Fil

تحتضن مدينة طنجة، من العاشر إلى السادس عشر من أكتوبر 2026، فعاليات الدورة الرابعة عشرة للمعرض الجهوي للكتاب، في موعد ثقافي يجمع ناشرين وكتاباً وباحثين وفاعلين في مجالات الأدب والفكر والفنون. وتأتي هذه الدورة في سياق تتزايد فيه الأسئلة المتعلقة بمستقبل القراءة الورقية، وقدرة المؤسسات الثقافية على تقريب الكتاب من المواطنين، خصوصاً مع التحولات التي أحدثتها الوسائط الرقمية في أنماط الحصول على المعرفة واستهلاك المحتوى.

ويتيح المعرض، الذي ينظم ضمن المبادرات الرامية إلى تنشيط الحياة الثقافية بجهة طنجة تطوان الحسيمة، فرصة للاطلاع على إصدارات متنوعة والمشاركة في لقاءات أدبية وفكرية. غير أن أهميته لا تقاس بعدد العناوين المعروضة أو حجم البرنامج المعلن وحدهما، لأن الأثر الحقيقي لأي تظاهرة من هذا النوع يتوقف على قدرتها على خلق علاقة مستمرة بين الكتاب والقارئ، وتوفير فرص فعلية للناشرين والمؤلفين، وتوسيع المشاركة الثقافية خارج الدوائر المعتادة.

وتتميز طنجة بتاريخ أدبي وثقافي متعدد اللغات والتجارب، ارتبط بموقعها الجغرافي وعلاقاتها مع المجال المتوسطي، وبحضور كتاب ومترجمين ومثقفين ساهموا في تشكيل صورتها الثقافية. لكن هذا الرصيد لا ينبغي أن يحجب الحاجة إلى تقييم واقع القراءة اليوم، ومدى توفر المكتبات وفضاءات المطالعة والأنشطة المنتظمة في أحياء المدينة ومحيطها الجهوي.

دورة جديدة وبرنامج يتجاوز بيع الكتب

تضم الدورة الرابعة عشرة أنشطة تجمع بين تقديم الإصدارات واللقاءات مع الكتاب والندوات الفكرية والورشات الثقافية، إلى جانب فقرات مرتبطة بالمسرح والسينما والفنون.

ويعكس هذا التنوع اتجاهاً إلى التعامل مع المعرض باعتباره فضاء للتفاعل الثقافي، لا مجرد سوق مؤقت لبيع الكتب. فالقارئ قد يكتشف مؤلفاً جديداً من خلال ندوة، أو يتعرف إلى موضوع لم يكن ضمن اهتماماته عبر نقاش مفتوح، كما يمكن للورشات أن تتيح للأطفال والشباب تجربة مختلفة في التعامل مع الكتابة والقراءة.

غير أن تعدد الأنشطة يطرح بدوره تحدياً تنظيمياً يتعلق بمدى وضوح البرنامج وإمكانية الوصول إلى الفعاليات، وتوزيعها الزمني، ومدى ملاءمتها لفئات الجمهور المختلفة.

كما أن مشاركة أسماء ثقافية معروفة، ومن بينها الناقد والكاتب عبد الفتاح كيليطو وفق البرنامج المعلن، قد تمنح التظاهرة قيمة فكرية إضافية، لكنها لا تعوض الحاجة إلى إشراك أصوات جديدة وكتاب محليين ومبادرات قراءة تعمل طوال السنة.

ولهذا فإن نجاح المعرض يتطلب الموازنة بين استضافة الأسماء البارزة وفتح المجال أمام تجارب أقل حضوراً في الإعلام والمؤسسات الثقافية.

طنجة والكتاب.. رصيد أدبي يحتاج إلى جمهور جديد

ارتبط اسم طنجة في التاريخ الثقافي المغربي بأعمال أدبية وفكرية كتبت بالعربية ولغات أخرى، كما شكلت المدينة فضاء للقاء ثقافات متعددة بحكم موقعها بين إفريقيا وأوروبا.

وقد ساهم هذا التعدد في تشكيل صورة أدبية للمدينة، سواء من خلال كتاب مغاربة تناولوا تحولات المجتمع المحلي أو من خلال أعمال أجنبية جعلت طنجة موضوعاً للسرد والتخييل.

لكن المدينة الأدبية لا تقاس فقط بعدد الكتاب الذين أقاموا فيها أو استلهموا فضاءاتها، بل أيضاً بمدى حضور القراءة في الحياة اليومية لسكانها.

فوجود ذاكرة أدبية غنية لا يضمن تلقائياً توفر مكتبات قريبة من الأحياء السكنية أو برامج مستمرة للمطالعة داخل المؤسسات التعليمية والمراكز الثقافية.

ومن هنا يمكن أن يشكل المعرض مناسبة للربط بين تاريخ طنجة الثقافي واحتياجات القراء المعاصرين، من خلال تعريف الأجيال الجديدة بالإنتاج المحلي وتشجيع القراءة النقدية، دون اختزال المدينة في صورتها السياحية أو الأدبية المتداولة.

سوق النشر.. بين فرص العرض وصعوبات التوزيع

يوفر المعرض للناشرين فرصة لعرض إصداراتهم والتواصل المباشر مع القراء، وهو جانب مهم في سوق يواجه تحديات مرتبطة بتكاليف الطباعة والتوزيع والترويج.

وقد تسمح المشاركة في المعارض الجهوية لبعض دور النشر بالوصول إلى جمهور لا يتردد بانتظام على المكتبات، كما تتيح للكتاب المستقلين فرصة تقديم أعمالهم خارج القنوات التجارية المعتادة.

لكن المعرض، مهما بلغت أهميته، يظل نشاطاً محدوداً زمنياً، ولذلك لا يمكن أن يكون بديلاً عن شبكة توزيع منتظمة تضمن وصول الكتب إلى المدن الصغيرة والمناطق البعيدة عن المراكز الكبرى.

كما أن تقييم أثره الاقتصادي يحتاج إلى معطيات عن حجم المبيعات وطبيعة الإصدارات المطلوبة ومشاركة دور النشر المحلية، بدلاً من الاعتماد على الانطباعات العامة بشأن الإقبال.

ومن المفيد أيضاً دراسة العلاقة بين أسعار الكتب والقدرة الشرائية، لأن توفر العناوين داخل المعرض لا يعني بالضرورة أن جميع الزوار يستطيعون اقتناء ما يرغبون في قراءته.

القراءة في المغرب.. المشكلة أوسع من تنظيم المعارض

لا يمكن فصل النقاش حول معارض الكتاب عن واقع القراءة في المغرب، الذي يتأثر بعوامل تربوية واجتماعية واقتصادية متعددة.

فالعلاقة بالكتاب تبدأ غالباً داخل الأسرة والمدرسة، وتتطور عبر المكتبات والأنشطة الثقافية وإمكانية الوصول إلى مصادر المعرفة.

وعندما تصبح القراءة مرتبطة بالامتحانات والمقررات الدراسية وحدها، قد تتراجع فرص تحولها إلى ممارسة حرة ومستمرة، خصوصاً إذا لم تتوفر فضاءات تشجع الأطفال والشباب على اكتشاف الكتب وفق اهتماماتهم.

كما أن المنافسة التي تفرضها الوسائط الرقمية لا تعني بالضرورة اختفاء القراءة، لأن جزءاً من النشاط القرائي انتقل إلى الشاشات، وإن اختلفت طبيعة النصوص وطرق التعامل معها.

ولهذا فإن السياسات الثقافية تحتاج إلى التمييز بين تراجع شراء الكتاب الورقي وبين التحولات الأوسع في عادات القراءة، لأن المؤشرين لا يقيسان الظاهرة نفسها.

ويصبح من الضروري تطوير أدوات بحث تسمح بمعرفة ما يقرأه المواطنون، وبأي لغات، ومن خلال أي وسائط، وما العوائق التي تمنعهم من الوصول إلى الكتب.

المعرض الجهوي والعدالة الثقافية

تكتسب المعارض الجهوية أهمية خاصة عندما تساهم في تقليص التفاوت في توزيع الأنشطة الثقافية بين المدن والمناطق.

فتركيز التظاهرات الكبرى في عدد محدود من المراكز الحضرية قد يجعل الوصول إلى اللقاءات الأدبية والكتب الجديدة أكثر صعوبة بالنسبة إلى سكان المناطق البعيدة.

لكن تنظيم معرض في مدينة رئيسية داخل الجهة لا يضمن وحده استفادة جميع أقاليمها، لأن التنقل والكلفة وتوقيت الأنشطة قد تظل عوائق أمام بعض الفئات.

ولهذا يمكن التفكير في برامج موازية تشمل المكتبات المدرسية والمراكز الثقافية والجماعات المحلية، أو تنظيم لقاءات مع الكتاب في مدن أصغر خلال السنة.

كما أن التعاون بين المعرض والمؤسسات التعليمية قد يساعد على توسيع المشاركة، شريطة ألا تقتصر الزيارات على الحضور الجماعي المنظم دون أن تتاح للتلاميذ فرصة اختيار الكتب والتفاعل معها.

فالعدالة الثقافية لا تعني فقط توزيع الأنشطة جغرافياً، بل تعني أيضاً توفير شروط الاستفادة منها بصورة ملائمة للفئات المختلفة.

الأطفال والشباب.. من الزيارة إلى عادة القراءة

تمثل مشاركة الأطفال والشباب أحد المؤشرات المهمة لنجاح المعارض الثقافية، لكنها تحتاج إلى معالجة تتجاوز عدد الزيارات المدرسية.

فقد تكون زيارة المعرض تجربة مؤثرة إذا أتاحت للتلميذ اكتشاف أنواع جديدة من الكتب والتحدث مع مؤلف أو المشاركة في ورشة كتابة، بينما قد تتحول إلى نشاط عابر إذا اقتصرت على التجول بين الأروقة.

وتحتاج البرامج الموجهة إلى الناشئة إلى مراعاة اختلاف الأعمار ومستويات القراءة والاهتمامات، كما ينبغي أن تتيح كتباً مناسبة من حيث اللغة والمضمون والسعر.

ومن المفيد أيضاً ربط أنشطة المعرض بمبادرات متابعة داخل المدارس والمكتبات، حتى لا ينتهي أثر الزيارة بمجرد انتهاء التظاهرة.

كما أن تشجيع القراءة لا يتعارض مع الاستفادة من الوسائط الرقمية، بل يمكن توظيف التطبيقات والمحتويات الصوتية والكتب الإلكترونية لتوسيع الوصول إلى المعرفة، خصوصاً لدى الفئات التي تواجه صعوبات في التعامل مع الكتاب الورقي.

ما الذي ينبغي أن نعرفه بعد اختتام المعرض؟

من المبكر إصدار حكم نهائي على الدورة الرابعة عشرة قبل انتهاء فعالياتها في السادس عشر من أكتوبر، لكن يمكن منذ الآن تحديد الأسئلة التي ينبغي أن توجه تقييمها.

ومن بينها عدد دور النشر المشاركة، وتنوع الإصدارات، وحجم الحضور، ونسبة مشاركة الأطفال والشباب، ومدى استفادة الكتاب والناشرين المحليين من الأنشطة.

كما أن بيانات المبيعات، إذا توفرت بصورة موثوقة، يمكن أن تساعد على فهم طبيعة الطلب على الكتب، دون اختزال القيمة الثقافية للمعرض في العائد التجاري وحده.

وتستحق البرامج الموازية بدورها تقييماً من حيث جودة النقاشات وإمكانية الوصول إليها واستمرار أثرها بعد انتهاء المعرض.

أما المؤشر الأهم، فيرتبط بما إذا كانت التظاهرة ستسهم في إطلاق مبادرات قراءة مستمرة أو تطوير شراكات بين الناشرين والمؤسسات التعليمية والمكتبات.

الثقافة بين المناسبة والاستمرارية

يعكس المعرض الجهوي للكتاب بطنجة استمرار الاهتمام بتنظيم تظاهرات تقرب الإصدارات الجديدة من الجمهور وتتيح فضاءات للنقاش الأدبي والفكري.

غير أن هذه المبادرات لا تستطيع وحدها معالجة التحديات البنيوية المرتبطة بسوق النشر والقراءة وتوزيع الخدمات الثقافية، ما لم تندرج ضمن سياسة أوسع تقوم على توفير المكتبات وتطوير التكوين وتشجيع الإنتاج والتوزيع.

كما أن نجاح المعرض لا ينبغي أن يقاس بحجم الحضور الرسمي أو كثافة الأنشطة فقط، بل بقدرته على جذب قراء جدد وإتاحة فرص حقيقية للناشرين والكتاب وتعزيز العلاقة بين المؤسسات الثقافية والمجتمع.

وفي مدينة تمتلك رصيداً أدبياً مثل طنجة، يصبح التحدي مضاعفاً: الحفاظ على الذاكرة الثقافية من جهة، وتوسيع قاعدة المشاركة في إنتاج الثقافة واستهلاكها من جهة أخرى.

وبين افتتاح المعرض واختتامه، يبقى السؤال الأكثر أهمية هو ما إذا كانت هذه التظاهرة ستترك وراءها قراء أكثر ارتباطاً بالكتاب، وشبكات ثقافية أكثر قدرة على الاستمرار، أم ستظل مناسبة سنوية ناجحة في تنظيمها ومحدودة في أثرها.

شارك المقال فيسبوك إكس تيليغرام

اقرأ أيضاً

اترك تعليقاً