لم يكن إسناد حقيبة الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية إلى فوزي لقجع مجرد تغيير في اسم المسؤول عن أحد أهم القطاعات الحكومية، بل حمل دلالة سياسية ومؤسساتية ترتبط بطبيعة المرحلة الاقتصادية المقبلة. فالمسؤول الجديد، الذي راكم تجربة طويلة في تدبير الميزانية العمومية، يجد نفسه أمام مسؤولية أوسع تتجاوز إعداد القوانين المالية إلى تنسيق الاختيارات الاقتصادية وتقييم مردودية الإنفاق العمومي.
ويأتي هذا التحول في سياق تشكيل حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، التي تواجه انتظارات اجتماعية مرتفعة وتحديات مالية متشابكة. وبين الحاجة إلى تحسين القدرة الشرائية وتوسيع فرص التشغيل، وضرورة المحافظة على التوازنات المالية، ستصبح وزارة الاقتصاد والمالية إحدى المؤسسات الحاسمة في تحديد قدرة الحكومة الجديدة على تنفيذ برنامجها.
غير أن أهمية التعيين لا تعني بالضرورة حدوث تحول فوري في السياسة الاقتصادية. فجزء كبير من الالتزامات المالية يمتد عبر سنوات، كما أن البرامج الاجتماعية والاستثمارية تخضع لمقتضيات قانونية وتعاقدية يصعب تعديلها بمجرد تغيير المسؤولين. ولذلك، فإن الحكم على المرحلة المقبلة يتطلب النظر في القرارات الفعلية التي ستتخذها الحكومة، وليس الاكتفاء بقراءة الأسماء والحقائب.
من تدبير الميزانية إلى قيادة السياسة المالية
ارتبط اسم فوزي لقجع خلال السنوات الماضية بإعداد الميزانية العامة للدولة، بحكم مسؤوليته السابقة وزيراً منتدباً مكلفاً بالميزانية. وقد أتاح له هذا الموقع الاطلاع على تفاصيل الموارد والنفقات العمومية، وعلى العلاقة بين التوجهات السياسية والإكراهات المالية التي تواجه مختلف القطاعات الحكومية.
أما توليه وزارة الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، فيوسع نطاق المسؤولية إلى مجالات تتعلق بالسياسة الاقتصادية والتمويل العمومي وتقييم الأداء. ويعني ذلك أن نجاحه لن يقاس فقط بمدى احترام التوازنات المحاسبية، بل بقدرة الوزارة على المساهمة في تحقيق نتائج اقتصادية واجتماعية ملموسة.
وتبرز أهمية هذا التحول عندما يتعلق الأمر بالاستثمار العمومي. فارتفاع الاعتمادات المخصصة للمشاريع لا يمثل في حد ذاته مؤشراً كافياً على نجاح السياسة الاقتصادية، إذا لم تنعكس تلك الاستثمارات على فرص العمل وتحسين الخدمات وتقليص الفوارق بين الجهات.
ومن هنا، فإن مفهوم النجاعة العمومية الوارد في تسمية الوزارة يطرح سؤالاً مركزياً: كيف يمكن الانتقال من قياس حجم الأموال المرصودة إلى تقييم النتائج التي تحققها البرامج الممولة من الميزانية؟
القدرة الشرائية بين الوعود الحكومية وحدود الموارد
تظل القدرة الشرائية من أبرز الملفات التي ستواجه الحكومة الجديدة. فالأسر المغربية لا تقيم السياسات الاقتصادية انطلاقاً من المؤشرات الكلية وحدها، بل من خلال قدرتها على تغطية تكاليف الغذاء والسكن والنقل والتعليم والعلاج.
وقد أظهرت السنوات الماضية أن تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية لا يؤدي تلقائياً إلى تحسن متساوٍ في أوضاع جميع الفئات الاجتماعية. فالتضخم، حتى عندما تتراجع وتيرته، قد يترك مستويات الأسعار أعلى مما كانت عليه سابقاً. كما أن تفاوت الدخل بين الأسر يحد من أثر بعض إجراءات الدعم.
وفي هذا السياق، ستكون وزارة الاقتصاد والمالية مطالبة بتحديد الخيارات الأكثر فعالية لحماية الفئات الهشة والمتوسطة. وقد تشمل الأدوات المتاحة السياسة الضريبية والتحويلات الاجتماعية ودعم بعض الخدمات، غير أن اختيار أي منها يحتاج إلى دراسة أثره المالي والاجتماعي.
وتبرز هنا ضرورة التمييز بين التدابير الظرفية التي تخفف الضغط مؤقتاً والإصلاحات التي تعالج أسبابه البنيوية. فارتفاع تكاليف السكن، مثلاً، لا يرتبط فقط بمستوى الدخل، بل يتأثر أيضاً بعرض العقارات وأسعار الأراضي وتوزيع الاستثمار الحضري.
مشروع مالية 2027.. أول اختبار لخيارات لقجع
يتزامن تولي لقجع مسؤوليته الجديدة مع اقتراب الموعد القانوني لإيداع مشروع قانون المالية لسنة 2027. ويضع هذا الاستحقاق الوزارة أمام مهمة مزدوجة تتمثل في احترام المسطرة القانونية، والعمل على ترجمة الأولويات الحكومية إلى اختيارات مالية واضحة.
وقد جرى إعداد جزء من المشروع خلال المرحلة السابقة، وفق الإجراءات السنوية المعتادة. ولذلك، فإن الحكومة الجديدة ستحتاج إلى التوفيق بين استمرارية الالتزامات المالية وإمكان إدخال تعديلات تعكس برنامجها السياسي.
وسيكون توزيع الاعتمادات بين القطاعات من أبرز المؤشرات التي تستحق المتابعة. فالتعليم والصحة والحماية الاجتماعية والبنيات الأساسية تحتاج إلى موارد مستمرة، بينما يتطلب دعم الاستثمار والتشغيل أدوات مالية وتحفيزية مدروسة.
غير أن الميزانية لا تستطيع الاستجابة لجميع المطالب بالوتيرة نفسها. ولهذا، فإن التحدي الأساسي يتمثل في ترتيب الأولويات، وتوضيح كلفة القرارات، وتقديم مؤشرات تسمح للبرلمان والرأي العام بتقييم نتائجها.
التشغيل والاستثمار.. اختبار يتجاوز الأرقام
يشكل التشغيل أحد أهم التحديات الاقتصادية التي تواجه المغرب، خصوصاً لدى الشباب وحاملي الشهادات. وعلى الرغم من أهمية الاستثمارات الكبرى، فإن أثرها الاجتماعي يتوقف على عدد الوظائف التي تخلقها، وطبيعتها، ومدى استمراريتها.
ويحتاج هذا الملف إلى تنسيق بين السياسة المالية والسياسات القطاعية المرتبطة بالصناعة والفلاحة والسياحة والخدمات. كما يتطلب تحسين العلاقة بين منظومة التعليم والتكوين المهني وحاجيات سوق العمل.
ومن جهة أخرى، تبرز أهمية المقاولات الصغيرة والمتوسطة، التي تواجه تحديات تتعلق بالتمويل وآجال الأداء والولوج إلى الأسواق. وقد يكون تحسين بيئة نشاطها عاملاً أساسياً في توسيع فرص العمل، شريطة أن تتحول الإجراءات المعلنة إلى تغييرات فعلية في شروط الاستثمار.
ولا ينبغي أن يقتصر تقييم الأداء الاقتصادي على قيمة الاستثمارات المعلنة أو عدد المشاريع المصادق عليها. فالمعيار الأكثر دلالة يتمثل في المشاريع المنجزة فعلياً، والوظائف المستدامة التي توفرها، والقيمة المضافة التي تحققها للاقتصاد الوطني.
المديونية والتوازنات المالية.. أين تبدأ حدود الإنفاق؟
تواجه السياسة المالية تحدياً دائماً يتعلق بالتوفيق بين توسيع الإنفاق العمومي والمحافظة على استدامة المالية العامة. فالدولة تحتاج إلى تمويل الخدمات الاجتماعية والاستثمارات الأساسية، لكنها مطالبة أيضاً بالوفاء بالتزاماتها وتدبير الدين العمومي.
ولا تعني المديونية في حد ذاتها وجود اختلال اقتصادي، لأن الاقتراض قد يساهم في تمويل استثمارات منتجة. غير أن أهميته تتحدد بكلفة التمويل، وطبيعة المشاريع الممولة، وقدرتها على خلق قيمة اقتصادية واجتماعية.
ومن ثم، فإن تقييم السياسة المالية يحتاج إلى النظر في تطور عجز الميزانية وكلفة خدمة الدين وجودة الإنفاق، إلى جانب معدلات النمو والاستثمار.
وتصبح هذه المؤشرات أكثر أهمية عندما تواجه الحكومة مطالب اجتماعية متزايدة. فرفع الإنفاق دون تحسين مردوديته قد يؤدي إلى ضغوط مالية إضافية، بينما يمكن لإصلاح طرق التدبير أن يحقق نتائج أفضل دون زيادة موازية في الموارد.
النجاعة العمومية.. عنوان جديد أم تحول في طريقة التدبير؟
تكتسب إضافة النجاعة العمومية إلى اختصاصات وزارة الاقتصاد والمالية دلالة تستحق التحليل. فالمفهوم يرتبط بمدى قدرة المؤسسات على تحويل الموارد المالية والبشرية إلى خدمات ونتائج قابلة للقياس.
وفي الحالة المغربية، لا يتعلق الأمر بغياب آليات تقييم الأداء، لأن القانون التنظيمي للمالية يتضمن مقاربة ترتكز على البرامج والأهداف والمؤشرات. لكن التحدي يكمن في مدى توظيف نتائج التقييم لتصحيح السياسات وإعادة توزيع الموارد.
فقد يحصل قطاع على اعتمادات مرتفعة دون أن تتحسن جودة خدماته بالقدر المنتظر، بسبب مشكلات مرتبطة بالتدبير أو ضعف التنسيق أو تأخر تنفيذ المشاريع. وفي هذه الحالة، لا يكون الحل بالضرورة زيادة الميزانية وحدها، بل مراجعة آليات العمل والمساءلة.
ولهذا، فإن نجاح الوزارة في تعزيز النجاعة العمومية سيتطلب نشر معطيات واضحة بشأن تنفيذ البرامج، وربط التمويل بالنتائج، وتطوير أدوات الرقابة والتقييم.
الاقتصاد المغربي بين الاستمرارية والحاجة إلى التصحيح
لا يبدأ فوزي لقجع مسؤوليته الجديدة من فراغ، لأنه كان جزءاً من منظومة اتخاذ القرار المالي خلال المرحلة السابقة. وتمنحه هذه الاستمرارية معرفة بالملفات الجارية، لكنها تضعه أيضاً أمام مسؤولية تفسير نتائج الاختيارات التي ساهم في إعدادها.
وفي المقابل، فإن توسيع صلاحياته يمنحه مجالاً أكبر للتأثير في التنسيق بين السياسة المالية والتوجهات الاقتصادية العامة. وسيظهر مدى هذا التأثير من خلال القرارات المتعلقة بالميزانية والاستثمار والضرائب والإنفاق الاجتماعي.
أما الحكومة الجديدة، فستكون مطالبة بتقديم تصور اقتصادي متماسك يوضح العلاقة بين النمو والتشغيل والعدالة الاجتماعية. فارتفاع المؤشرات الاقتصادية لا يكفي إذا استمرت الفوارق المجالية والاجتماعية، كما أن توسيع البرامج الاجتماعية يحتاج إلى قاعدة اقتصادية قادرة على تمويلها بصورة مستدامة.
وفي النهاية، لا يكمن الاختبار الحقيقي لفوزي لقجع في انتقاله من مسؤولية الميزانية إلى قيادة وزارة الاقتصاد والمالية، بل في قدرة السياسة المالية على تحقيق توازن بين الاستقرار الاقتصادي وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين. وسيكون مشروع قانون المالية لسنة 2027 أول مناسبة عملية لقياس هذا التوجه، قبل أن تقدم نتائج التنفيذ صورة أوضح عن طبيعة التحول المنتظر.
